الجمعة - 12:15 مساءً 26 مايو 2017 م ، 1 رمضان 1438 هـ
 

القدس لنا

 

آخر الأخبار

 

خبر في صورة

 

الصحافة العبرية

 
::أقلام و أراء / 70 عاما بلا وطن/ باريس - الشتات السابع::
 7 / 03 / 2017 - 09:42

 تاريخ الإضافة :


70 عاما بلا وطن/ باريس - الشتات السابع

 

باريس - الشتات السابع

بقلم : قيس مراد قدري

 

كل مدينة لها شخصيتها وخصوصيتها التي تتميز بها . العاصمة الفرنسية  باريس لا تشذ عن هذه القاعدة فهي تعرف بكثرة مقاهيها ؛ لذا كان يقال عنها أن بها بين المقهى والمقهى مقهى آخر ؛ وعلى كثرتها فان العديد منها معروف بنوع ما من الذواقة من مرتاديها ؛ ان كنت  تحب الشعر أو الفن أو أي من مناحي الحياة الأخرى ستجد ضالتك في واحدة منها .

 

شددت الرحال الى العاصمة الفرنسية بصحبة مرافقي عمر وهو أحد شباب الكتيبة الطلابية الذين التقيتهم في معسكر التاجي في العراق قبيل التوجه معا الى بيروت  ؛ كان يدرس الطب في أفغانستان ويتمتع بقوة بدنية كبيرة وكل أفراد أسرته هم  محترفو رياضة الملاكمة .

 

باريس مدينة عجيبة لا تستطيع الا أن تحبها ؛ بها تستحضر بالعين المجردة  تاريخ امبراطورية كانت عظيمة في يوم من الأيام . قصور قديمة من زمن لويس السادس عشر وماري أنطوانيت ونابليون بونابرت.  سجن الباستيل ؛ متحف اللوفر الذي يحوي أجمل الآثار المصرية التي سرقت أثناء حملة  نابليون عام  1798 ؛ الحي اللاتيني حيث جامعة السوربون كأحد أعرق الجامعات في العالم والتي تخرج منها كبار العلماء والمفكرين والأدباء ؛ كنيسة نوتردام ؛ المونتمارت أي جبل الشهداء  الذي ترى منه باريس جاثية تحته وفي أزقته تستحضر روح كبار الرسامين تحلق في المكان حيث خرجت أجمل اللوحات الفنية للعظماء  من أمثال رينوار وماتيس وكلود مونيه وسيزان وسلفادور دالي  وبيكاسو. على يمين المونتمارت توجد كنيسة القلب المقدس التي اكتسبت اسمها نسبة الى القديس سانت دينيس الذي قضى بقطع رأسه . كما لا يمكن اغفال برج ايفيل الشهير أحد عجائب الدنيا السبع والذي يطل عليك اينما كنت وكذا شارع الشانزيليزيه حيث أرقى صالات عرض آخر صيحات الموضة وعند نهايته نصب قوس النصر.

 

ماري مونتريه كان اسم الحي الذي سكناه في بداية اقامتنا في مدينة النور وفيه يقطن مزيج من المهاجرين والفرنسيين من متوسطي الحال .

 

 الفرنسيون معروفون بتعصبهم للتحدث بلغتهم لذا كان أول ما فعلته هو الالتحاق بجامعة السوربون لتعلم اللغة بعد أن كنت قد نسيت كل ما تعلمته في المرحلة الاعدادية والثانوية في حلب .

 

من العاصمة الفرنسية كنت أتابع التطورات المتسارعة في المنطقة العربية خصوصا الساحة المصرية التي كانت في زمن عبد الناصر محج كل الساعين نحو التحرر ؛ لكن بوادر التحول من معسكر النضال الى معسكر الخيانة بدأ مع اعلان الرئيس محمد أنور السادات استعداده لزيارة الكيان الصهيوني مقفلا بذلك كل الأبواب التي كانت مشرعة أمام كل المناضلين وخصوصا الفلسطينيين الذين كانوا يعتبرون مصر ملاذهم كلما ضاقت بهم السبل لذا شاركت بالعديد من الندوات التي فضحت المؤامرة التي قادها السادات والتي توجها بزيارته الشهيرة للكيان الصهيوني يوم 19 نوفمبر من العام 1977 .

 

 أهم من عرفتهم أثناء اقامتي في باريس  كان الشهيد الدكتور عز الدين القلق الممثل الغير رسمي لمنظمة التحرير الفلسطينية في فرنسا . أحبه الفرنسيون  كثيرا لدماثة خلقه وحنكته السياسية . ومن لا يعرف تاريخ هذا المناضل الكبير فهو يحمل شهادة الدكتوراه في علم الكيمياء ؛ وكونه تمتع بمثل هذه الصفات رأى فيه الموساد خطرا لجهة الدعم المتزايد والتأييد للقضية الفلسطينية على الساحة الفرنسية فقام  بزرع متفجرات في مكتبه عام 1978 استشهد على اثرها هو وبعض من أفراد طاقمه بينهم الشقيق الأصغر للراحل  نمر حماد مستشار الرئيس محمود عباس . 

 

على ذكر التصفيات للنشطاء في الثورة الفلسطينية من المفيد تذكر بعض من قضى في عمليات الاغتيال على يد الموساد الاسرائيلي الذي نشط كثيرا في مطلع السبعينات وقام بتصفية العديد من الرموز السياسية في منظمة التحرير الفلسطينية وأولهم كان الكاتب المعروف غسان كنفاني عضو المكتب السياسي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الذي اغتيل في بيروت في الثامن من  تموز 1972 بعبوة ناسفة زرعت في سيارته  . في نفس الشهر جرت محاولة اغتيال الدكتور أنيس الصايغ مؤسس مركز الأبحاث والدراسات الفلسطينية . وكذا جرت محاولة اغتيال بسام أبو شريف الذي كان يشغل آنذاك منصب الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ورئيس تحرير مجلة الهدف خلفا لغسان كنفاني . تبع ذلك اغتيال الكاتب الفلسطيني والممثل الغير رسمي لمنظمة التحرير الفلسطينية في ايطاليا الدكتور وائل زعيتر بتاريخ 17 -10-1972 ؛ ثم اغتيال الطبيب الدكتور محمود الهمشري ممثل م ت ف في فرنسا بتاريخ 8-12- 1972  . وحسين علي أبو الخير في قبرص 25– 01 – 1973 ؛ فالدكتور وديع أحد القادة المؤسسين للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ومهندس عمليات خطف الطائرات بتاريخ 28-3-1973 ثم  د. باسل الكبيسي 6 - 4 -1973 في باريس وفي نفس الشهر تم تصفية القيادي الفلسطيني موسى أبو زياد . وفي قبرص القيادي الفلسطيني  زياد وشاحي بتاريخ 9-4-1973 وبعد ذلك بيوم واحد فقط جاءت الضربة الأكبر لمنظمة التحرير الفلسطينية في عملية " فردان " عندما تمكنت وحدة من الموساد بقيادة يهودا باراك من تصفية 3 من القادة الكبار وسط العاصمة اللبنانية بيروت محمد يوسف النجار وكمال عدوان وكذا الناطق الرسمي باسم م. ت. ف الكاتب والشاعر كمال ناصر .

 

مسلسل الاغتيالات لم يتوقف عند هذا الحد فقد طال لاحقا العديد من السياسيين : محمود بودية وبعده حسين عياد البشير فالمغربي أحمد بوشيكي الذي قتل في العاصمة النرويجية اعتقادا من الموساد أنه أبو حسن سلامة قائد جهاز ال 17 .

 

في باريس التحقت بالعمل في مجلة "الوطن العربي" التي كانت موالية للنظام العراقي ؛ ومن بين أهم كتابها كان الباحث والناقد والمؤرخ المصري غالي شكري والسيد مروان الجابري وغسان امام والسيدة هدى الحسيني ونبيل المغربي وفنان الكاريكتور المصري المعروف جورج البهجوري اضافة الى آخرين . أهم المواضيع التي نشرتها المجلة في تلك الآونة كانت مذكرات رئيس الأركان المصري ابان حرب اكتوبر 1973 الفريق سعد الدين الشاذلي وكان يومها قد قدم استقالته من منصبه كسفير لدى الجزائر احتجاجا على زيارة الرئيس السادات للكيان الصهيوني . والثاني مذكرات الصديق عاصم الجندي مع كارلوس المطلوب دوليا وعلى اثرها تم اطلاق النار عليه في بيروت وكاد أن يفارق الحياة لولا قيام الأخ أبو عمار بعلاجه في فرنسا على نفقة منظمة التحرير .

 

المجلة أوفدت الزميلة هدى الحسيني التي كنت أتقاسم معها نفس المكتب لعمل ريبوتاجات عن السودان وأوغندا . الرئيس السوداني  جعفر النميري والرئيس الأوغندي عيدي أمين كلاهما وقع في حبها وكنت أرى باقات الزهور التي زينت غرفة المكتب والمرسلة من الرئيسين عبر سفارتهما في باريس بشكل شبه يومي مرفقة بدعوات للزيارة مجددا باغراءات كبيرة  .

 

أنا أرسلت الى العاصمة الليبية طرابلس لتغطية مؤتمر القمة الأفريقي ؛ عند وصولي تمت مصادرة جواز سفري وأصبحت المغادرة بيد الجهات الرسمية الليبية الذين اقتادوني الى مقر الضيافة حيث تواجد العديد من القيادات السياسية الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية وأهم رؤساء تحرير الصحف العربية أذكر منهم الأستاذ طلال سلمان رئيس تحرير جريدة "السفير" والأستاذ وليد الحسيني رئيس تحرير مجلة "الكفاح العربي" وكلاهما كانا يتلقيان دعما ماليا من النظام الليبي .

 

زيارتي لليبيا كان يفترض أن لا تدوم أكثر من اسبوع لكنهم أبقوني 49 ؛ ولم أكن وحيدا في ذلك فالعديد من الضيوف تعرضوا لمثل هذا التأخير وبأزمنة مختلفة . وكلما طلبنا استعادة جواز السفر والمغادرة كان ردهم " انت مغعمز وتهدرز " أي جالس وتتحدث . وكأن ليبيا هي محور الكون .

 

أثناء هذه الاقامة الطويلة والمتعبة نفسيا وصل محمود درويش وجاء العديد من الرموز الأدبية لتحيته من أمثال الكاتب جمعة الفزاني والشاعر محمد الفيتوري وآخرين ؛ سألته : هل أخذوا جواز سفرك في المطار . نعم . حكيت له ما جرى معي . لم يبال ؛ وبعد اقامته لمدة يومين توجهنا الى المطار وناولهم جواز سفر آخر وغادر وكانت هذه آخر زيارة له الى ليبيا حسب ما أخبرني لاحقا .

 

أمر آخر وقع أثناء تلك الاقامة المفروضة ؛ ففي احدى الليالي وبعد منتصف الليل قاموا بايقاظنا على عجل وتم أخذنا الى المطار دون أن نعلم سر هذا الأمر العاجل ؛ وكلما سألنا مرافقنا الليبي من الاعلام الخارجي  علي بوشويش عما نتوقعه ؟ كان يجيب : توا تعرفوا !!!. على متن الطائرة 86 صحفيا وصحفية من دول العالم  السيدة الوحيدة بيننا كانت روز رولو زوجة الدبلوماسي والمحلل السياسي الفرنسي المعروف اريك رولو ( كان يكتب في صحيفة لوموند دبلوماتيك ومقرب من الرئيس جمال عبد الناصر ومن ثم من معمر القذافي ) .

 

أقلعت بنا الطائرة وحطت في مطار سبها وهناك تم اقتيادنا الى مدرسة خالية مخصصة لدارسات التمريض لعدم وجود فندق لاستيعابنا حيث نمنا ما تبقى من تلك الليلة في أسرة الممرضات ؛ وفي الصباح الباكر أعادونا مجددا الى أرض المطار وأوقفونا بجوار خيمة كبيرة علما أننا ما زلنا لا نعرف لماذا نحن هنا ؟ بعد وقت قليل وصل معمر القذافي ؛ وما أن ظهر حتى انهال علينا حرسه الخاص بالعصي لابعادنا رغم أننا لم نهرع نحوه . القذافي نهر الحراس على تصرفهم ودعانا الى الخيمة وهناك أخبرنا أننا على وشك أن نشهد حدثا تاريخيا دون الافصاح أكثر من ذلك.

 

في هذه الأثناء حطت طائرتان على أرض المطار واحدة كانت تحمل رئيس النيجر حسين كونشي والرئيس التشادي فيلكس معلوم ؛ والطائرة الثانية كانت تقل رئيس وزراء السودان . الحدث التاريخي أن القذافي سيقود مصالحة بين الرئيس معلوم وغريمه زعيم التمرد التشادي غوكوني وداي.

 

في المساء دعينا لتناول وجبة من السمك . في القاعة وضعت المائدة على شكل حرف (يو) بالانجليزية ؛ جلس على رأسها بعض الوزراء الليبيين ونحن جلسنا على الأطراف . قدمت لنا السلطة ؛ وقبل تقديم الشوربة الليبية الشهيرة دخل معمر ومعه ضيوفه الثلاث وبدلا من الجلوس على رأس الطاولة انتحى جانبا مع ضيوفه وجلس على مائدة لأربعة أشخاص ؛ فما كان من الوزراء الا أن تركوا مكانهم على رأس الطاولة احتراما . أنا وزميل يدعى ياسر عبد ربه ( غير القيادي الفلسطيني ) ويعمل في مجلة "المستقبل" التي كانت تصدر في باريس بدأنا بمدح التصرف الحضاري للوزراء ؛ وقبل أن نكمل حديثنا دخل حرس معمر مجددا الى القاعة وقاموا بطردنا جميعا شر طردة بالقوة ؛ وعدنا يومها الى العاصمة طرابلس جوعى . كلما التقيت أحد الصحفيين الأجانب ممن كان معنا في ذلك اليوم المشؤوم يذكرني بما حصل ويدعوني متهكما على أكلة سمك في مدينة سبها .

 

الصدف أحيانا تلعب دورا يغير مسار حياة الانسان ؛ ففي العاصمة طرابلس تعرفت بمحض الصدفة على الأستاذ أحمد سعيد محمدية صاحب "دار العودة" للنشر التي تعتبر من كبريات الدور في بيروت وكان يومها برفقة الكاتب والأديب الدكتور سهيل ادريس صاحب "دار الآداب" . تحدثنا طويلا وأقنعني يومها بالعمل معه في بيروت مديرا للدار فوافقت مبدئيا على العودة الى بيروت بعد اجراء بعض الترتيبات مع المجلة التي أعمل بها وتهيئة نفسي للعمل خارج اطار منظمة التحرير كتجربة حياة من نوع جديد . وهذا الذي كان بعد أن أمضيت قرابة عام ونصف في العاصمة الفرنسية .

 

 

 ::] أضف تعليق [::  
الاسم
البريد الالكتروني
نص الرسالة

 


[العودة إلى الخلف]  |  [الرجوع إلى الرئيسية]

جميع الحقوق محفوظة لدى © أخبار فلسطين