مصر مبارك
بقلم: تسفي بارئيل
هآرتس 26/7/2010
(المضمون: يعلمون في الغرب وفي إسرائيل أن الرئيس مباركا يمر بفترة احتضار وفي هذه المقالة بسط للسياسة التي قد تكون عليها مصر بعد مبارك - المصدر).
"يعاني حسني مبارك مرضا عضالا. إن خللا في دورته الدموية يجعله يفقد وعيه ثواني طويلة ودقائق أحيانا... أجهزة الاستخبارات في العالم تعلم أن وضعه الطبي يتدهور وهي تتابع العلاجات الطبية التي يتلقاها. لا يحل لمواطني مصر فقط أن يعلموا بذلك". لا، ليس هذا نبأ نشر هذا الأسبوع. فقد خرج إلى هواء هذا العالم في 2007. فقد أشرف رئيس مصر مبارك على الموت آنذاك. وكذلك في 2003 أيضا عندما انهار زمن خطبة في مجلس الشعب، وصدرت إشاعة بأن مباركا فارق الحياة. حبس رجال الأمن أعضاء مجلس الشعب في القاعة ولم يدعوا أحدا يخرج حتى أعاده طبيبه "إلى الحياة".
عندما نشر إبراهيم عيسى، محرر الصحيفة المصرية "الدستور"، في 2007 أمر مرض مبارك النادر، حكم عليه بستة أشهر سجن. مكث عيسى في السجن شهرين فقط بعد الاستئناف. وكانت تهمته نشر أنباء لا تضر بالرئيس فقط بل بأمن مصر الاقتصادي أيضا. قرر المدعي العام أن النبأ أحدث انخفاضا في البورصة وخسارة استثمارات بلغت نحوا من 350 مليون جنيه مصري.
تعود الإشاعات الآن إلى الاحتفال. وتراوح التخمينات بين سرطان الكبد إلى سرطان القلب أو سرطان الرئة، وبين الكآبة السريرية، ومشكلات في الدورة الدموية والسكري. لكن كما قال أحد العناصر الذي اقتبس من كلامه هذا الأسبوع في صحيفة "واشنطن تايمز": "نحن نعلم أنه يحتضر، لكنك بالمناسبة تستطيع الاحتضار زمنا طويلا. انظروا مثلا فيدل كاسترو". وكالعادة، ينكر متحدثون رسميون ويجهد مبارك نفسه في إجراء جدول عمل نشيط، ولقاء قادة، وخطب مع إنهاء دورات طيران أو نشر أوامر جديدة تتعلق بالضرائب. ومع ذلك كله ليس مبارك الذي احتفل في شهر آيار بيوم ميلاده الثاني والثمانين، سليما. يمكن تخمين أن يموت ذات يوم وإن تكن "الآلهة لا تمرض"، كما قال عيسى. ليس مصدر الخوف إذا موت الزعيم، بل هوية الوارث، وأكثر من ذلك جوهر الميراث. وبحق، فبعد مضي 29 سنة في الحكم، وهي أطول مدة ولاية في تاريخ مصر، وتأتي بعد حكم محمد علي 43 سنة في القرن التاسع عشر، يبدو أن كل تغيير سيكون ثورة بالضرورة. والثورة دائما نذير شر لمن اعتاد العمل مع زعيم واحد لا مع حكومة تأتي وتذهب كما في أكثر الدول. لكن منذ ثورة الضباط في 1952 لم تحدث ثورة في مصر. ورث أنور السادات جمال عبد الناصر في 1970. وقتل بعد 11 سنة وأورث مباركا السلطة. لم تقع منذ ثلاثين سنة ثورات عسكرية في الشرق الأوسط ما عدا الانقلاب العسكري في العراق الذي أفضى إلى نهاية صدام حسين لكنه كان "ثورة" أمريكية.
يتوقع أن تجري انتخابات الرئاسة بعد سنة. سئل مبارك قبل بضعة أسابيع من سيكون الرئيس القادم. وكان جوابه "الله وحده يعلم". أي انه ما زال لم يخرج من السباق، وإن لم يعلن بصراحة بأنه ينوي المنافسة. وقال في مناسبة أخرى إنه ينوي أن يخدم الدولة حتى يومه الأخير. وصد بذلك ضغوط زوجته سوزان التي تطلب منه منذ زمن اعتزال الرئاسة والراحة. يبدو انه يوجد جواب متفق عليه عن سؤال من سيكون رئيس مصر المقبل – في حالة لم ينافس مبارك في الانتخابات أو لم يستطع المنافسة. يعد مبارك منذ أكثر من خمس سنين ابنه جمالا ليكون رئيسا. وقد رفعه إلى منصب رئيس لجنة السياسة في الحزب الحاكم، وأخذه في جولات خارج البلاد، وعرفه على رئيس الولايات المتحدة وأشار عليه بمن يواصل في مصر ليحيط نفسه بالساسة ورجال الأعمال الذين سيقفون إلى جانبه.
تحظى خطط جمال الاقتصادية وأساسها "خصخصة إنسانية" لن تضر بعمال كثيرين جدا، تحظى بدعم حكومي، وقد بادر أيضا إلى مشروع لتحديد النسل وقبل المسؤولية عن تجنيد مستثمرين أجانب.
امتنع جمال حتى الآن من المس بموضوعين: العلاقات بين مصر والدول العربية والصراع الإسرائيلي الفلسطيني. وتصريحاته في هذه الشؤون نادرة. وقال عن العلاقة بإسرائيل لمجلة "ميدل ايست كوارترلي": "لا شك في أن السادات اتخذ القرار الصحيح عندما لم يرضخ لضغط الدول العربية الأخرى التي لم تشأ في الثمانينيات أن تتحدث حتى عن السلام... صحيح انك تستطيع أن تسمع في الشارع المصري، ومن أفواه عدد من الخبراء" كلمات شديدة عن العلاقات بين مصر وإسرائيل. لكن الحقيقة هي أن المهم لا ما تسمعه في المقاهي أو ما تقرأه في الصحف. المهم هو سياسة حكومة مصر. وأنا على ثقة بأننا إذا استمررنا على أن نبين للمصريين جميع المزايا التي أحرزوها للسلام، وكل ما كان يمكن أن يخسروه لو كنا ما نزال في وضع الحرب لما ندد أحد بهذه الفرصة". وفي شؤون أخرى تهم إسرائيل – غزة، والانسحاب الإسرائيلي، والمصالحة بين حماس وفتح، والعلاقات بسورية أو بتركيا، سيصعب أن نجد تصريحا معلنا لجمال.
لا يوجد خصوم حقيقيون لجمال مبارك. إن تعديل الدستور الذي قام به والده في 2007 قد أقام سورا حصينا أمام كل مرشح ليس من الحزب الحاكم. يقول التعديل إن من كان عضوا فقط لسنة واحدة على الأقل في قيادة حزب موجود منذ خمس سنين على الأقل يستطيع المنافسة في الرئاسة.
ليس المرشح المستقل مرفوضا، لكنه يحتاج إلى إحراز تأييد 250 من منتخبي الجمهور، خمسة منهم أعضاء مجلس الشعب. يستطيع الإخوان المسلمون، الذين يستولون على 88 مقعدا في مجلس الشعب أن يمنحوا مرشحا من المعارضة التأييد الذي يحتاجه في مجلس الشعب لكن مرشحا كهذا سيظل محتاجا إلى تأييد 162 مؤيدا من المجالس المحلية ومجلس الشورى التي لا يوجد للإخوان فيها أو لأي حزب معارض آخر قدر كاف من الأعضاء.
الامتحان الأول لقوة المعارضة السياسية قد يكون في انتخابات مجلس الشعب في تشرين الأول لكن يحسن ألا نقف التنفس.
ما يزال الإخوان المسلمون وأحزاب المعارضة لم يصغوا موقفا يتعلق بعمل مشترك وبالمرشح – النجم الجديد، محمد البرادعي، الرئيس السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية. يتمتع في الحقيقة بصيت جيد لكن شعبيته ضئيلة.
في واقع الأمر، إذا لم تنجح المعارضة في جعل مجلس الشعب يغير مواد الدستور المتعلقة بانتخاب الرئيس وإذا لم يوافق الرئيس على التغيير الذي سيتم اتخاذه فان الطريق القانوني لجمال مبارك إلى الرئاسة ممهد.
لكن هذا ليس مسألة شخصية فحسب. فكل رئيس مصري، جمال مبارك أو البرادعي أو عمر سليمان أو عمرو موسى – وكلها أسماء تتردد في سوق التكهنات – سيحتاج إلى مواجهة تركة مبارك.
تختلف مصر في أيامنا تماما عن الدولة التي تولى مبارك حكمها في 1981. فقد تضاعف عدد سكانها؛ ونسبة من يعرفون القراءة والكتابة زادت لتبلغ نحوا من 72 في المائة من السكان؛ والانترنت والهاتف المحمول قد أنشآ مجالات خطاب جديدة تلتف على الرقابة؛ وأصبحت وسائل الإعلام أكثر انفتاحا؛ وتعد مظاهرات الشوارع بالمئات وفي كثير منها آلاف المشاركين؛ وثم حركات معارضة جديدة مثل كفاية وفروعها، إلى جنب الجيل الجديد من الإخوان المسلمين، ستلزم كل رئيس جديد وبيقين الرئيس الذي سيتولى الحكم بتأييد المعارضة أن ينشىء علاقات مختلفة بين السلطة والجمهور. وستكون هذه أول مرة أيضا لا يأتي فيها رئيس مصري (إذا لم يكن سليمان) معه إلى منصبه بسجل عسكري بل مدني – اقتصادي. إنهم في الغرب وفي إسرائيل أقل عناية بخطط الرئيس الجديد لعلاج جهاز التربية الفاشل، والبنى التحتية المهدومة، وملايين العاطلين من العمل أو تلوث المياه. بل يقض مضاجع الجارة في الشمال والدول الغربية أكثر من ذلك قدرة الحاكم القادم على علاج غزة، وخطر أن تفقد مصر الهيمنة لمصلحة سورية، وسؤال هل تصبح السعودية لاعبة مركزية في المنطقة.
يمكن أن نلخص كل هذا بسؤال قصير واحد هل تتابع مصر حسني مبارك وجودها؟ مما يثير الاهتمام أن أحدا لا يسأل سؤالا كهذا من الدول الديمقراطية. في هذه الدول يتلقون تغيير الحكم والعقيدة والسياسة على أثر الانتخابات على أنه شيء مفهوم من تلقاء نفسه. يجب على الدول التي هي أقل ديمقراطية أن تبرهن دائما على أن الزعيم الذي كان هو الذي سيكون وإلا فإنها ترى خطرة.